عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 40

خريدة القصر وجريدة العصر

وكان العماد خليقا بأن ينعم ، في كنف خلفه ابنه الملك الصالح إسماعيل ، بالرعاية التي عوّده إيّاها أبوه وبالاستمرار في خدمته . ولكن الملك كان صبيّا لا حول له ، فاستولى عليه وزيره العدل أبو صالح ابن العجمي ، وأتابكة الأمير شمس الدين بن المقدم ، وطواشيّه جمال الدين ريحان ، وخازن بيت ماله الشيخ إسماعيل ، وتحالف هؤلاء أن يكونوا يدا واحدة ، فتصرفوا في الدولة والخزانة كما أرادوا ، وولّوا وصرفوا ، ونقصوا وزادوا ، واتّجبوا إلى نسخ ظلّ العهد السابق وابعاد رجاله ، فاقتصروا للعماد على الكتابة ، محروم الدعوة من الإجابة ، على حد تعبيره ؛ ثم ضايقوه وأخافوه إلى أن ترك جميع ما هو فيه ، فخرج إلى العراق خائفا يترقب وهو معتل الأحوال كاسف البال ، تاركا بلاد الشام وراءه نهبة للمطامع : تتقسم الأمراء نواحيها ، وتطمع الفرنج في غزوها وانتزاعها من أيدي المسلمين ؛ وما هو إلا أن بلغ « الموصل » فمرض بها مرضا شديدا ، وأقام ينتظر الشفاء ، ليستأنف السير إلى بغداد أملا في استعادة مجده الذاهب في ظلال الخلافة العباسية . * * * في الدولة الصلاحية الأيوبية : بلغ العماد بالموصل ، وهو في عقابيل الداء موشك أن يغذ ركابه إلى بغداد ، خروج الملك الناصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب - بجيوشه التركيّة - من مصر إلى البلاد الشاميّة ، ليحفظها من الفرنج الذين كانوا يتأهّبون لغزوها . . . وأتاه بالبشرى نجّاب إلى الموصل ذكر للناس أنه فارق السلطان بقرب دمشق « 1 » بالكسوة « 2 » ، وهو يستكمل من أهل دمشق الحظوة . فهاجه الطرب لقصده ، لسابق معرفته وقديم ودّه ، طامعا في العودة إلى ديوان الكتابة في هذا العهد الجديد ، وله من قصائده الرنّانة التي سيّرها من قبل في

--> ( 1 ) دخل السلطان صلاح الدين دمشق يوم الاثنين سلخ شهر ربيع الأول سنة 570 ه . ( 2 ) الكسوة : قرية ، هي أول منزل تنزله القوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر . معجم البلدان ( 7 / 252 ) .